ابن كثير
293
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقال أبو حاتم الرازي : أخبرنا محمد بن عبد اللّه الأنصاري ، أخبرنا حميد الطويل عن أنس بن مالك ، قال : قال عمر بن الخطاب : وافقني ربي في ثلاث أو وافقت ربي في ثلاث ، قلت يا رسول اللّه لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى ، وقلت : يا رسول اللّه لو حجبت النساء ، فنزلت آية الحجاب ، والثالثة : لما مات عبد اللّه بن أبي ، جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليصلي عليه ، قلت : يا رسول اللّه تصلي على هذا الكافر المنافق ؟ فقال : إيها عنك « 1 » يا ابن الخطاب ، فنزلت وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ [ التوبة : 84 ] وهذا إسناد صحيح أيضا ، ولا تعارض بين هذا ولا هذا بل الكل صحيح ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قدم عليه ، واللّه أعلم . وقال ابن جريج : أخبرني جعفر عن محمد عن أبيه ، عن جابر : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعا حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ، ثم قرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . وقال ابن جرير « 2 » : حدثنا يوسف بن سلمان ، أخبرنا حاتم بن إسماعيل ، أخبرنا جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر ، قال : استلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فجعل المقام بينه وبين البيت ، فصلى ركعتين . وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم « 3 » في صحيحه من حديث حاتم بن إسماعيل . وروى البخاري بسنده عن عمرو بن دينار ، قال : سمعت ابن عمر يقول : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فطاف بالبيت سبعا وصلّى خلف المقام ركعتين . فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء الكعبة ، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل عليه السلام به ليقوم فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار ، وكلما كمل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى يطوف حول الكعبة ، وهو واقف عليه كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها ، وهكذا حتى تم جدران الكعبة كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت من رواية ابن عباس عند البخاري ، وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه ، ولم يزل هذا معروفا تعرفه العرب في جاهليتها ، ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية : [ الطويل ] وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة * على قدميه حافيا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه كما قال عبد اللّه بن وهب : أخبرني يونس بن يزيد عن ابن
--> ( 1 ) أي اسكت . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 586 . ( 3 ) صحيح مسلم ( حج حديث 147 )